ابن الحسن النباهي الأندلسي

75

المرقبة العليا فيمن يستحق القضاء والفتيا ( تاريخ قضاة الأندلس )

بها أيام الهرج المعروف بوقيعة الرّبض . وممّا جرى له حينئذ ، أنّ بعض أصحاب الأمير الحكم ، الذين أرسلهم على الناس ، تعلّقوا بجار الفرج بن كنانة ، اتهموه بالحركة في الصبح ، وتسوّروا عليه . وصاح نساؤه ؛ فسمع القاضي الصراخ ؛ فقال : « ما هذا ؟ » فقيل : « جارك فلان ! تعلّق به الحرس ؛ فأخرجوه ليقتل » فبادر الخروج ، وكفّ القوم عن جاره ، وقال لهم : « إ » جاري هذا بريء الساحة ، سليم الناحية ، وليس فيه شيء مما تظنّون » . فقال له رئيس الحرس ، المرسل معهم : « ليس هذا من شأنك ! فعليك بالنظر في أحباسك وحكومتك ! ودع ما لا يعنيك » فغضب الفرج عند ذلك ، ومشى إلى الأمير الحكم ؛ فاستأذن عليه . فلمّا دخل ، قال له بعد السلام : « أيها الأمير ! إنّ قريشا حاربت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وناصبته العداوة في اللّه تعالى ؛ ثمّ إنه صفح عنهم ، لمّا أظفره اللّه تعالى بهم ، وأحسن إليهم . وأنت أحقّ الناس بالاقتداء به ، لقرابتك منه ، ومكانك من خلافته في عباد اللّه » ثمّ حكى له قصّة جاره ، وما عرض له في الدفاع عنه . فأمر بتخلية سبيله ، وبعقاب الناظر الذي عارض القاضي ؛ وعفا عند ذلك عن بقيّة أهل قرطبة ، وبسط الأمان بجماعتهم ، وردّهم إلى أوطانهم . وكان القاضي فارسا شجاعا ، يقود الخيل ، ويتصرّف للسلطان في الولايات . وقد غزا مع عبد الكريم بن عبد الواحد بن مغيث ، معقودا له على جند شذونة بلده ، إلى جلّيقيّة وقدّمه عبد الكريم إلى جمع النصرانيّة ؛ فعضّهم ؛ وقتل فيهم قتلا ذريعا . وبقي قاضيا وصاحب صلاة زمانا . ثمّ استعفي « 1 » . وأخرجه الأمير إلى الثّغر الأقصى ؛ فقام مقام صدور الغزاة . وكان له قدر جليل في الناس وكذلك كان أسد بن الفرات بن سنان ، أحد صدور الشجعان ؛ ولّاه زيادة اللّه القضاء بإفريقية ، وقدّمه على غزو صقلّيّة ؛ فخرج في عشرة آلاف رجل ، منهم ألف فارس . فلمّا خرج إلى سوسة ليتوجّه منها إلى صقلّيّة ، خرج معه وجوه أهل العلم ، يشيّعونه ، وقد سهلت الخيل ، وضربت الطبول ، وخفقت البنود ، قال : « لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له ! يا معشر الناس ! ما بلغت ما ترون إلّا بالأقلام ! فاجهدوا أنفسكم

--> ( 1 ) قال ابن الفرضي إنّ الحكم بن هشام استقضى فرج بن كنانة بقرطبة سنة 198 ه ، فلم يزل قاضيا إلى سنة 200 ه .